الشيخ جواد بن عباس الكربلائي
357
الأنوار الساطعة في شرح زيارة الجامعة
وبعبارة أخرى : أنه تعالى قرر الملائكة على ما ادعوا من تحقيق سفك الدماء والفساد من الموجود الأرضي ، وقرر أنهم أهل التسبيح والتقديس ، وإنما أراد سبحانه إبداع شيء آخر ، وهو أنّ هناك أمرا لا تقدر الملائكة على حمله ولا تتحمله ، وإنما يتحمله هذا الخليفة الإلهي المجعول في الأرض ، فإن هذا يحكي عن اللَّه تعالى أمرا غامضا ، وسرّا مستترا ليس في وسع الملائكة ، ولا محالة يتدارك بذلك أمر الفساد وسفك الدماء ، وليس الملائكة تقدر على هذا التدارك لما ليس فيها من ذلك السرّ ، ولذا لا تصلح للخلافة الإلهية ، وهذا بخلاف الإنسان فإنه بهذا اللحاظ صالح لهذه الخلافة ، فيعلم منه ضمنا جوابه تعالى عن أن الملائكة لا تصلح للخلافة الإلهية ، لقصور حقيقتها المحدودة عن هذا بخلاف الإنسان الذي هو العالم الكبير والكتاب المبين الإلهي الجامع ، كما سيجيء بيانه . ثم إن المراد من تعليم آدم الأسماء هو كشف حقائق الموجودات وأعيانها له ، لا مجرد ما يتكلفه الوضع اللغوي من إعطاء المفهوم ، فالمعلوم له حينئذ هو الحقائق الخارجية والوجودات العينية ، مع أنها أيضا مستورة تحت ستر الغيب ، غيب السماوات والأرض ، والعلم بها على ما هي عليه كان أولا ميسورا ممكن الوجود ، أرضي لا للملك السماوي ، لما علمت من محدودية خلق الملك بما له من السعة المختصة به ، فإنه وإن كان مجرّدا إلا أنه مجرد في أمر دون أمر ، وهذا بخلاف الإنسان فإن فيه بالقوة شأنية الوصول إلى أيّ أمر وأيّ كمال بالفعل والإحاطة بها ، وهذه الجهة الكائنة في الإنسان هي دخيلة في الخلافة الإلهية ، والملك حيث إنه فاقدها غير قابل لها كما لا يخفى . ومعنى كون المسميات هي الحقائق بما هي عليه أنها أعيان ومسميّات وموجودات أحياء عقلاء ذوي شعور كامل ، محجوبين تحت حجاب الغيب ، وليس المراد من العلم بها نحو العلم الذي عندنا بأسماء الأشياء ، فإن العلم هو المفهوم والتصور ، وذلك هو الدرك والتحقق بها فبهذا التحقق والاشتمال صار الإنسان